الشريف المرتضى

142

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

وممّا يبطل ما اعتمدوه في باب الاستثناء أنّ القائل إذا قال لغيره : ألق جماعة من العلماء ، واقتل فرقة من الكفّار ، حسن أن يستثنى ، كلّ واحد من العلماء والكفّار ، فيقول : إلّا فلانا ، وإلّا الفرقة الفلانيّة ، ولا أحد منهم إلّا ويحسن أن يستثنى ، فلو كان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله في اللفظ ، لوجب ان يكون قولنا « فرقة » و « جماعة » مستغرقا لجميع الكفّار والعلماء ، كما قالوا في لفظة « من » ، وليس هذا قولهم ، ولا قول أحد . وبعد ، فإنّ أبا هاشم ومن ذهب مذهبه في أنّ ألفاظ الجنس والجموع لا تستغرق ، لا يستمرّ له دليل الاستثناء ؛ لأنّ حسن استثناء كلّ عاقل من قولنا : جاءني الناس ، واستثناء كلّ مشرك من قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ « 1 » ، ظاهر ، وإن لم تكن هذه الألفاظ عنده مستغرقة كلفظة « من » و « ما » ، فما المانع من أن يكون الاستثناء من لفظة « من » و « ما » بهذه المنزلة . والجواب عمّا ذكروه ثالثا : أنّ هذا منهم إثبات لغة بقياس واستدلال ، وذلك ممّا لا يجوز فيما طريقه اللغة . وبعد ، فليس يخلو قولهم : لا بدّ أن يضعوا عبارة ، من أن يريدوا أنّه واجب عليهم أن يفعلوا ذلك ، أو لا بدّ أن يقع على سبيل القطع : فإن كان الأوّل ، فمن أين لهم أنّهم لا بدّ أن يفعلوا الواجب ، ولا يخلّوا به ، وليس في وجوب الشيء دلالة على وقوعه ، إلّا أن يتقدم العلم بأنّ من وجب عليه لا يترك الواجب ، وهذا ممّا لا يدّعى على أهل اللغة . وإن أرادوا القسم الثاني ، فيجب أن يكون القوم ملجئين إلى وضع العبارات ، وهذا بعيد ممّن بلغ إليه ، لأنّه لا وجه يلجىء القوم إلى ذلك ، لا سيّما وهو متمكّنون من إفهام ما عقلوه من المعاني - إذا قويت دواعيهم إلى إفهامها - بالإشارة على اختلاف أشكالها . وقد كان يجب أيضا أن يقطع على ثبوت لفظ الاستغراق في كلّ لغة ، للعلّة الّتي ذكروها .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 5 .